محمد بن محمد ابو شهبة

193

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

على أتان لي ، ومعي صبي لنا « 1 » ، وشارف لنا « 2 » ، واللّه ما تبضّ « 3 » بقطرة ، وما ننام ليلنا ذلك مع صبينا ذاك ، لا يجد في ثديي ما يغذيه « 4 » ، ولا في شارفنا ما يغذيه ، فقدمنا مكة ، فو اللّه ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتأباه إذا قيل إنه يتيم ! ! وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أب الصبي ، فكنا نقول : يتيم ما عسى أن تصنع أمه ؟ فكلنا نكرهه لذلك . فو اللّه ما بقيت من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري ، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي « 5 » : واللّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع ، لأنطلقنّ إلى ذلك اليتيم فلاخذنه ، قال : لا عليك أن تفعلي عسى أن يجعل اللّه لنا فيه بركة ، قالت : فذهبت إليه فإذا به مدرج في ثوب من صوف أبيض من اللبن ، يفوح منه المسك ، وتحته حرير أخضر ، راقد على قفاه يغط ، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله ، فدنوت منه رويدا « 6 » ، فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا ، وفتح عينيه لينظر إلي ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء ، وأنا أنظر ! ! فقبلته بين عينيه ، وأعطيته ثديي الأيمن ، فأقبل عليه بما شاء من لبن « 7 » ، فحوّلته إلى الأيسر ، فأبى ، فكانت تلك حالته بعد « 8 » .

--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن الحارث الذي كانت ترضعه . ( 2 ) ناقة مسنة والشارف يطلق على الذكر والأنثى ولكن المراد هنا الأنثى . ( 3 ) بفتح التاء وكسر الباء أي تدر . ( 4 ) عند ابن إسحاق بالدال المهملة ، وعند ابن هشام بالذال المعجمة ، وهي أتم من الأولى لأن فيها الاقتصار على الغداء دون العشاء . ( 5 ) هو الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة السعدي ، يكنى : أبا ذؤيب ، أدرك الإسلام ، وأسلم ، وعدّه من الصحابة صاحب الإصابة ، وهو الذي يقال له : أبو كبشة ، وهو الذي عنته قريش لما قالوا : إن ابن أبي كبشة يزعم أنه يكلّم من السماء ! ! ( 6 ) بتؤدة وتمهل . ( 7 ) در الثدي لبنا كثيرا . ( 8 ) هذا من الصفات التي فطره اللّه عليها من الصغر من القناعة والعدل والبر ، فقد ألهمه اللّه أن له شريكا في اللبن ، فأبى أن يتناول نصيبه .